محمد بن محمد ابو شهبة

169

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ثم أرسل حلقة البيت وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ينظرون ما أبرهة فاعل بالبيت ، وكان في جيش أبرهة فيل عظيم ، فصار كلما وجّهوه إلى الطريق المؤدّي إلى مكة أبى وبرك ، وإذا وجّهوه إلى غير طريق مكة سار وجرى ، ومع هذه الآية أصر أبرهة وجيشه على هدم الكعبة ، فما كان إلا أن أرسل اللّه عليهم طيرا أبابيل « 1 » ، في مناقيرها وأرجلها حجارة صغار ، فصارت ترميهم بهذه الحجارة ، وليس كلهم أصابت ، فكان من صادفه حجر تمزّق جسمه ومات ، وخرجوا هاربين يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون بكل مهلك ، ونكّل اللّه بأبرهة وجيشه شر تنكيل ، وقد ذكر اللّه سبحانه هذه القصة في سورة الفيل قال : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ « 2 » ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ « 3 » ( 5 ) . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه حبس عن مكة الفيل ، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين » « 4 » . فهي لمّا أراد بها أبرهة وجنده سوا أهلكهم اللّه ، ولمّا أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بفتحها خيرا أعينوا ونصروا ، وقد كانت هذه الآية إرهاصا بين يدي ميلاد نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودلالة على يمنه ، وخيره ، وبركته .

--> ( 1 ) جمع إبيل أو إبول أي جماعات جماعات ، وقيل : لا واحد له من لفظه . ( 2 ) سجيّل : الطين المحروق بالنار قيل : إنه فارسي معرب . ( 3 ) العصف المأكول : هشيم الزرع بعد ما يؤخذ منه الحب كالقمح مثلا . ( 4 ) رواه الشيخان .